أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
( 2 ) أن يكون عالما بحال من توجه إليهم الدعوة في شؤونهم واستعدادهم وطباعهم وأخلاقهم ، أي معرفة أحوالهم الاجتماعية . ( 3 ) أن يكون عالما بلغة الأمة التي يراد دعوتها ، وقد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بعض الصحابة بتعلم العبرية لحاجته إلى محاورة اليهود الذين كانوا يجاورونه ، ومعرفة حقيقة حالهم . ( 4 ) معرفة الملل والنحل ومذاهب الأمم ، وبذلك يتيسر له معرفة ما فيها من باطل ، فإن الإنسان إن لم يتبين له بطلان ما هو عليه ، لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره وإن دعاه إليه . وعلى الجملة فلا يقوم بهذه الدعوة إلا خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام ، وحكمة التشريع وفقهه ، وهم الذين أشار إليهم الكتاب الكريم بقوله : « فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » . وهؤلاء يقومون بتطبيق أحكام اللّه تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان على مقدار علمهم في المساجد والمعابد والمنتديات العامة ، وفي المحافل عند سنوح الفرصة . فإذا هم فعلوا ذلك كثر في الأمة الخير ، وندر فيها وقوع الشر ، وائتلفت قلوب أهليها ، وتواصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر ، وسعدوا في دنياهم وآخرتهم . وأمة هذه حالها تسود غيرها من الأمم باجتماع كلمتها ، واتفاق أهوائها ، إذ لا مطمح لها إلا رفعة شأن دينها ، وعزة أبنائها ، وسيادتها العالم كله . ولن يتم ذلك إلا إذا أعد أهلها للأمر عدّته ، وكمّلوا أنفسهم بالمعارف والعلوم التي تحتاج إليها الأمم التي تبغى السعادة والرقىّ ، وتختلقوا بفاضل الأخلاق ، وحميد الصفات ، حتى يكونوا مثلا عليا تحتذى ، ويشار إليهم بالبنان وإن ما أودع في ديننا من هذا ، وما خلّفه لنا السلف الصالح من الكنوز والثروة العلمية ، فيه غنية